موقع الغرباء -طباعة خبر -مقال العيد... أليس فيكم رجل رشيد؟!!...
  مقال العيد... أليس فيكم رجل رشيد؟!!...


الحمد لله وهو الملجأ لعباده والمغيث والكاشف للضراء إذا هيمن على البشرية وعقولها (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ) (النَّجم:58) (أَمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ) (النمل:62). والصلاة والسلام على سيد الأنام من بعثه الله لنزع الضغائن والفساد وأمن العباد والبلاد سيدنا محمد الذي هذبت به العقول والقلوب وارتفع مستوى الإدراك لدى المؤمنين به حتى فهموا سر وجودهم في الحياة فأمنوا من شر أنفسهم ومن شر الشيطان وجنوده، فكانوا رسل أمن في الحياة ومظهر استقرار في كل اتجاه، اللهم صل وسلم على هذا النبي الكريم وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم العرض على الملك الجبار.
وبعد فهذه أيام عيد الفطر المبارك، وهي في حقيقتها انعكاس واع لمراد الله بعد شهر رمضان ومراد الله أن نفرح بالإفطار كما فرحنا بالصيام، وكما نفرح بشرف الالتزام للأمر واستجلاب الثواب والأجر والعمل الدؤوب للحصول على مراتب العطاء ورفع القدر والدخول في بركة العشر تلو العشر وما وعد به الله المؤمنين من بركة ليلة القدر.
وهذا هو مأمولنا ورجاؤنا في الله، وعسى أن ننال ذلك جميعا فهو الكريم الرحيم الوهاب.
ولعل موضوعنا هنا بعد التهنئة بالعيد وضع السؤال الذي ورد في كتاب الله المجيد، والمعنيون به حملة المسؤوليات في مراتبهم العليا والدنيا، من حاكم وعالم ومسئول عام وخاص حتى إلى مستوى الأب والأم.. أليس فيكم رجل رشيد؟
فالعيد مظهر فرح ومثال لدعوة الإسلام الشرعية لاستتباب الأمن والسلام بين الحاكم والمحكوم، والخصوص والعموم.
ولكنا في عصرنا نشهد غير ذلك، وكل يعبر عن موقفه بفقه معقد من التبريرات التي فتحت الطريق للشيطان وأنصاره فسخرنا جميعا لتنفيذ برنامجه العدواني وحول مواقعنا ومنابرنا وموقع قراراتنا إما مؤامرات أو دفاعا عنها أو تبريراً لها.. وانقطع الرجاء في (وسائل العمل الداعية إلى الاستقرار وسلامة الاستمرار) مع غي وتعصب وحقد وثائرة طبع لا مثيل لها، ولا علاج منها، ولا حل فيها.
وكأني بهذه الظاهرة التي استشرت في واقعنا وقد فتكت بالجميع وأهلكت الأخضر واليابس.. كما فعلت فيمن سبق.
ولم نر من واقعنا المشاهد أن الذين سبقونا في المراحل التي عرفها الوطن قد أفلحوا في مواقفهم التي اتخذوها ضد بعضهم البعض، سواء كانوا من حملة القرار، أو من القادة والرعايا، أو من عموم الناس المتنفذين في حالتي الحرب والفوضى..
فالدرس الذي قرأناه وشاهدناه حول الأمة إلى يباب، وفساد، وسقوط في مهاوي التردي والضياع.. ولم يحاسب على ذلك التردي أحد. بل حمى الشيطان أساطين التردي وأعاد ترتيب مواقعهم.
وانتهت الجولة بما انتهت إليه.. وعادت الأنفاس ورغبة الناس في أن تستعيد مكانتها وعلاقتها وأمنها واستقرارها واستثمار ثرواتها وخدمة أوطانها، وارتفعت الأعلام وسارت الشعوب مسيرة خلف أخرى في تأييد برامج الجماعات والأحزاب والحكام. كما رضيتها بنفسها وبحت أصواتها من أجلها دون التفات لنصيح أو قول سديد صريح.
حتى اختلفت المصالح.. واختلط الأمر بين الأكلة والمستثمرين، وحملة القرار أجمعين، والمتطلعين من خارجه إلى امتلاكه ولو بعد حين.
واستعدى الشيطان على عقلاء الحركة والسكون ليدفع بهم من طاولة الاجتماع إلى فتنة الأقماع ومصالح الانتفاع، وغوغائية الواقع وجاهلية القواقع حيث تصاغ القرارات الهامشية وتفعل المؤامرات النهارية والمسائية لبث القلق والذعر والخوف في نفوس الجميع، ليس لإقامة مصالح وطنية ولا لمعالجة الحالة الراهنة المتردية، ولكن لإيجاد مراكز قوى، يأكل منها قراصنة الحياة الهمجية وعناترة فساد القبلية والعصبية، ممن لا يهمهم استقرار مجتمع ولا صوت ديانة يستمع ولا مصالح مشتركة تتبع.
فالاستقرار لا يتأتى إلا بحالتين:
- صوت ديانة واع صادق
- صوت عقل وحضارة رائق
ولعل كلا الحالتين منعدمة في واقعنا المعاصر، وإن وجد منها شيء:
- فصوت ديانة متناقض
- وصوت عقل وحضارة متعارض
والتناقض والتعارض وظائف شيطانية تفسد في المتدينين الاستمرار وتفسد في العقلاء الاستقرار، سواء كانوا في عالم المسلمين أو في غيرهم، فالأسلوب الشيطاني واحد في عالم البشرية، لأنه لا يعنيه أمر الدين والعقل، وإنما يعنيه إفساد الدين وإفشال آثار العقل، وحيثما حقق هذه الظاهرة فالواقع بكافة مخرجاته يعمل لصالح الشيطان ووكلائه.
ومصلحة الشيطان في اشتعال حرائق الطبع لضرب الإنسان بالإنسان، وإفشال معالجات الشرع لإبعاد البشرية عن الأمن والاطمئنان، وبهذا تتحول الحياة إلى مرجل يغلي بالدماء والحروب والفتن والمؤامرات وعلى يد الوكلاء من حملة قرار العلم والحكم أو المستثمرين له.
وهذا هو مجتمع الشيطان في عالم الإنسان..
ولا مخرج من هذا الأمر المخيف إلا النظر الواعي من كل ذي دين أو عقل أو حكمة أو مصلحة واعية، لإيجاد هدف مشترك يجتمع عليه الفرقاء، والهدف المشترك ليس كرسي السلطة ولا الثروات ولا امتلاك المواقع والعقار وموارد الاستثمار، ولكن الهدف المشترك هو فهم العلاقة الإنسانية لدى عموم البشر، والعلاقة الإسلامية لدى أهل الديانة والإسلام، والعلاقة القومية لدى أهل القوميات، وما رواء هذه العلاقات المشتركة وعوامل إنجاحها، في عالم مؤقت وعمر مؤقت واستعدادات مؤقتة.
فمن أدرك الهدف عرف كيف يصيغ العلاقة مع غيره لتحقيقها، ومن لم يدرك الهدف عرف كيف يصبغ العلاقة لمصلحته ويدمر غيره بوعي أو بغيره، وبدين أو بغيره، وبمؤامرة مشتركة أو بغيرها.
وهذا هو سبب الحروب والانقلابات والقتل الفردي والعصابات والاستعمار والاستهتار والاستثمار، فغالب هذه المخرجات التي شهدنا طرفا منها في أعمارنا المعاصرة كانت على أيدي وكلاء الشيطان لتدمير البشرية.
ووكلاء الشيطان هم حملة القرارات الموجهة، الذي يفشلون في تحقيق أهداف ديانتهم أو هدف مصالح أوطانهم، أو أهداف سلامة العقول والأنفس، فيستخدمهم إبليس من خلال مواقعهم السلطوية، سواء فوق كرسي القرار أو في منعطفات الأحزاب والجماعات والجمعيات المتطلعة إلى موقعه وامتلاكه، وهؤلاء يستخدمهم إبليس لإفشال هدف الديانة، وإفشال مصالح الأوطان، وأهداف سلامة العقول والأنفس، وهو ما يعرف في القرآن (بالاحتناك). وهو أيضا (الإتيان) (ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف:17) والشكر هو العمل المفيد النافع من أمر الدين والدنيا.
أيها القارئ...
عيد سعيد.. كما يقولون.. ولكن السعادة الحقيقية أن نعرف وظائفنا في العيد وقبله وبعده، وكيف نفهم السعادة في أعيادنا وقبلها وبعدها، ومن أين نستمد فقه الأعياد وفقه السعادة المؤدية إلى معرفة حقائق الأعياد ووظائفها.
إننا نعيش نكبة، وأعظم هذه النكبات نكبة الوعي.. أما العلم والدراسة والتخرج والوظائف والتدين السطحي فمتوفر ومنتشر وكثير في كثير من كثير.
ولا نعلم إلى أي مصير سيبلغنا ذلك، وليس لنا إلا أن نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
أبوبكر بن علي المشهو

 
إطبع هذا الخبر