موقع الغرباء -طباعة خبر -كلمة شهر رمضان المبارك لعام 1432هـ
  كلمة شهر رمضان المبارك لعام 1432هـ


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الرحيم الرحمن، خلق الإنسان علمه البيان تكرم علينا أن أطال أعمارنا حتى أدركنا شهر رمضان، وجعله شهراً عظيماً ومكفراً للذنوب والعصيان، وفرض علينا معشر المسلمين صيامه في كل وقت وآن. أحمده تبارك وتعالى على نعمه التي شملت كل إنسان وأسأله تبارك وتعالى أن يختم لنا بالإيمان والإحسان وأن يبلغنا رمضان ويعننا فيه على الصيام والقيام وعلى تلاوة القرآن. وأصلي وأسلم على سيدنا محمد سيد الإنسان والجان وسيد ولد عدنان وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان .
أما بعد :
فإنه قد هل علينا وعليكم شهر رمضان المبارك لعام 1432هـ الموافق عام 2011م فنسأل الله أن يهله علينا وعلى معشر الأمة الإسلامية باليُمن والإيمان والنصر والتأييد للإسلام والمسلمين، وقد جعل الله شهر رمضان مدرسة دينية للمسلمين والمسلمات وجعله وسيلة للطاعات والعبادات ليلاً ونهاراً. فعليك يا أخي المسلم أن تستقبل هذا الشهر المعظم بأمور ينبغي عليك المحافظة عليها، ونوجزها إن شاء الله تعالى في هذه الكلمة المختصرة.
فمما ينبغي لنا في استقبال هذا الشهر المبارك أولاً:
أن نستقبله بالنيات الصالحات وبتنظيم الأوقات حتى يكون رمضان شاهد لنا لا علينا.
فأول شيء ينبغي للمؤمن أن يستعد به لاستقبال هذا الشهر المبارك:
- الفرح والسرور بقدومه -حتى وإن كان في شدة الحرة-: فالفرح والسرور بقدوم شهر رمضان يعتبر عملاً صالحاً قلبياً تنال به الخير العظيم وتحصل لك من الله المعونة الخاصة في صيامه وقيامه، وأما الذي يتذمر منه ومن قدومه بقلبه أو بقلبه ولسانه فإن التذمر وتمني زوال رمضان يُعتبر معصية من كبائر المعاصي القلبية وقد عَدَّ الشيخ ابن حجر الهيتمي في كتابه (الزواجر في اقتراف الكبائر) وجعل من الكبائر: تمني زوال شهر رمضان وكراهية شهر رمضان. فاحذر يا هذا أن يكون عندك أدنى تذمر أو أدنى تضرج من قدوم شهر رمضان أو من زواله -حتى وإن كان في شدة الحرة- وقد كان السلف الصالح يطلبون ويدعون الله ستة أشهر أي من شهر ربيع الأول أن يطيل أعمارهم حتى يبلغوا رمضان فإذا ذهب رمضان يحزنون على ذهابه ستة أشهر.
- ثم إنه ينبغي لك قبيل دخول شهر رمضان أن تبرمج أوقاتك وساعاتك ليلاً ونهاراً فاجعل وقتاً محدداً للنوم ووقتاً محدداً لقراءة القرآن ووقتاً محدداً لحضور مجالس العلم، واحذر أن تضيع أوقات رمضان ليلاً أو نهاراً في الملاهي وفي القيل والقال أو في التسكع في الشوارع -ولا سيما في أواخر هذا الشهر الفضيل- فيضيع عليك هذا الشهر سُدى ، ولهذا ورد في الحديث أن شهر رمضان رحمة للمؤمنين والمؤمنات الذين صاموا وراقبوا ربهم وفتنة لأناس ضيعوه في المعاصي إما بالفطر بغير عذر أو بارتكاب المعاصي.
- ثم إنه ينبغي لك في أول ليلة من رمضان، كما جاء في الحديث الذي رواه الخطيب الشربيني في تفسيره (السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير) عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: من صلى أول ليلة منه أربع ركعات يقرأ فيهن سورة الفتح – أي يقرأ في كل ركعة مقرأ من سورة ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبينا﴾، قال: من فعل ذلك مَرَّ عامه كله وهو في غنى وفي بحبوحة من العيش ببركة هذه الصلاة والسورة . فعليك أن تفعل ذلك.
- ثم إنه ينبغي لك أيضاً إذا رأيت هلال رمضان، أن تقول ما كان يقوله صلى الله عليه وسلم عند رؤية الهلال: »اللهم أهله باليُمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله ، الحمد الله الذي أذهب بشهر شعبان وأتى بشهر رمضان«[رواه أحمد والترمذي عن طلحة رضي الله عنه]، وينبغي عند رؤية الهلال أيضاً مما رواه الخطيب الشربيني في كتابه (مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج) وقال: ويسن أن تقرأ سورة الملك عند رؤية الهلال إتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم.
- ثم إنه ينبغي لنا أن نبتعد عن كل الأشياء المفطرات والتي تبطل الصوم الحسية كالطعام والشراب والجماع وغير ذلك وهذه بحثها في علم الفقه والمعنوية وهي التي تحبط ثواب الصيام منها ما ورد في الحديث -وإن كان ضعيفاً-: »خمسٌ يفطرن الصائم: الغيبة والنميمة والكذب والنظر بشهوة واليمين الكاذبة« [رواه الديلمي عن أنس رضي الله عنه] ويكون ليس لك حظ من صيامك إلا الجوع والعطش وقال صلى الله عليه وسلم »كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش«[أخرجه النسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]. فعليك أن تبتعد عن ذلك وأن تحافظ على نفسك وصيامك.
- وينبغي المحافظة على أعمال البر كلها من تلاوة القرآن ومن الصدقة ومن صلة الأرحام ومن بر الوالدين ومن كثرة الذكر لله تبارك وتعالى ومن كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والمحافظة على صلاتي التراويح والوتر والقيام فيهما فإن قيام ليالي رمضان سنة مؤكدة لقوله صلى الله عليه وسلم: »من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر«[متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه]. وصلاة التراويح عبادةٌ لا تصح إلا في شهر رمضان والمعتمد بإجماع المذاهب الأربعة أنها عشرين ركعة وحديثها أقوى من أحاديث الثمان والاثنى عشر ركعة، فقد روى الإمام البيهقي بسند صحيح أنه صلى الله عليه وسلم، قال: »صلاة التراويح عشرون ركعة«، وفي خلافة سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه جمع الرجال على أبي بن كعب يصلي بهم التراويح عشرين ركعة وجمع النساء على تميم الداري يصلي بهن صلاة التراويح عشرين ركعة وبجمع من الصحابة رضي الله عنهم وكان ذلك إجماعا.
- وأما صلاة الوتر فتُعتبر من أفضل النوافل؛ لأنه مختلف في وجوبها، وأقلها ثلاث وأكملها إحدى عشر ركعة، وقد قال الإمام أبو حنيفة بوجوبها أخذاً بظاهر الحديث: »إن الله زادكم صلاةً هي الوتر فأوتروا يا أهل القرآن« وقال أيضاً: »من لم يوتر فليس منا«[رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه].
- وأما ليالي رمضان فكلها ليال مباركة وأبركها ليلة القدر، التي تأتي غالباً في العشر الأواخر وفي أوتاره وغالباً ما تكون في ليلة السابع والعشرين للأحاديث الواردة في ذلك . فعليك أن تحافظ على قيام الليالي كلها حتى تكون ممن قام ليلة القدر، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾[القدر: 1-4] يعني إنك إن قمت ليلة القدر في شهر رمضان تُكتب لك عبادة ألف شهر أي ثلاث وثمانين سنة وأربع أشهر، فهي فرصة وأرباح كبيرة ينالها المؤمن ببركة شهر رمضان .
- كما أنه مما لا يخفى على كل مؤمن في هذا الشهر المبارك مما قد وقعت في السيرة النبوية -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- من حوادث وسير وعبر ومعجزات وأكبرها وأعظمها غزوتي بدر الكبرى وفتح مكة وهما نصران عظيمان وفتحان للإسلام والمسلمين، فحصلت غزوة بدر الكبرى في السابع عشر منه وفتح مكة في الواحد والعشرين منه ، وبهذا يتذكر الإنسان كيف كان النصر المبارك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكيف كان صبره وصبر الصحابة الكرام على أذى المشركين وكيف كان لهم النصر بعد ذلك.
هذا مجمل ما أحببنا أن نقوله في هذه العجالة ، والكلام على رمضان وقد أفردت بالتأليف ، فنسأل من الله العلي القدير أن يديم العافية وأن يبلغنا وإياكم شهر رمضان ويعيننا فيه على الصيام والقيام ويجعلنا إن شاء الله من المقبولين المعتوقين من النيران ويوفقنا فيه للإكثار من تلاوة القرآن ومن ذكر الله ومن حضور مجالس العلم والخير أو الاستماع لها وأن يفقهنا ويفقه أهلنا وأولادنا والمسلمين في الدين ويحفظ الجميع من المعاصي كلها إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.

وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم
والحمد لله رب العالمين

 
إطبع هذا الخبر