موقع الغرباء -طباعة خبر -الإنسان المسلم في رمضان بين صراع الحياة ووظائف الصوم
  الإنسان المسلم في رمضان بين صراع الحياة ووظائف الصوم


هاهو شهر رمضان قد بدأت أنفاسه الروحانية الإيمانية تشق ظلمانية الحياة المألوفة، حياة الإعلام وثمرات الأقلام واختلاط الحلال بالحرام، محاولا تذكير الغافلين وتحذير الظالمين وتعزية المظلومين، بمعنى قوله تعالى: (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) ، وربما ترددت هذه الآية على ألسنة الكثير منا عادة مألوفة ومثالا حيا في كل شؤوننا المعقدة.

ولكن شهر رمضان يكرر معناها علينا لا على سبيل العادة وإنما لإنهاض مفهوم سلامة العبادة بكل معانيها ، فالعادة قد فرضت نفسها على العقل والقلب والنفس والجوارح حتى تملكت الجميع وأسرت القلوب والقوابل في تعقيداها وإرهاصاتها المضلة.
أما العبادة فهي من العبودة والعبدية وصدق التعبد للإله المعبود، لا أثر فيها للنفس الظلامية، ولا مكان لهيمنة الشيطان ووسواسه ولا مجال لعبث الهوى، ولكنها الحرية المطلقة حرية العبد المؤمن بربه، الصادق في التوجه إليه والتوكل عليه ، يصوم نهار رمضان، فيصوّم كل شيء ، ويقوم ليل رمضان فيستقيم على أقوم شيء.
يتحرر بالطاعة عن المعصية، ويحمل الأمانة عن عتل الخيانة، وبالمحبة والسلام، عن العداوة والخصام، وبالترقي في خدمة المجتمع والمحيط بدلا عن الهدم والأذى والتخريب.
رمضان مدرسة الإسلام الموسمية لطلاب ثواب الآخرة، ومعهد الديانة الشرعية للفارين من سوء مصارع الحياة إلى شرف الموت على الذكر والفكر والشكر والأنفاس الطاهرة.
أسفا على ما قد بلغنا إليه من ضياع هذا الحق الذي لا نرى مطالبا به ، ولا معتصما من أجله ، ولا هاتفا بثوابه، ولا مناديا بصوابه ، ولا حريصا على بلوغ مراتبه ، ولا متأسفا على فوات مشاربه.
أخذت الدنيا بمجامع قلوبنا ونواصي عقولنا فصارت إلها معبودا في الليل والنهار، وغرضا وطموحا وغاية الكبار والصغار ، وكأننا لن نموت ولن نقبر.. وكأننا لم نُنصح ولم نُذكّر.. وكأن الدعوة الإسلامية غرض من الأغراض، وطمع من الأطماع، وسلّم مادّي يصل به الطامحون إلى كراسي الملك والامتلاك، ويتنازعون به وفيه على حكم رقاب الشعوب سلطة ومعارضة وحركة.
والشعوب وحاكموها مدعوون إلى قول الملك الحق إن كان فيهم من يفقه الأمر ويدرك المسؤولية.
(فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لّا يَشْعُرُونَ (56) إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)) هذا هو رمضان العبادة ، وسلامة العادة ، وحكمة القيادة..
شهر أراد الله فيه تربية المؤمنين وتعليم المسلمين كيما تسلم ألسنتهم من الذم وأيديهم من الدم، فيصير الصدق لهم عبادة تتحكم في العادة، ويصير السلام لهم مبدأ يتحكم في الإرادة، ولا يبقى خارج هذه الدائرة المثالية غير النادر والشاذ والخارج بطبعه وقدره عن عقلاء العباد.. والمبعود عن الله المطرود بالكفر أو الفسق أو الإلحاد.. إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
أهلا بشهر رمضان.. أهلا بشهر التروح وحياة الروح.. أهلا بداعي الأمة إلى الإيمان والأمن والأمان والاطمئنان، وحاديهم إلى التوبة والإنابة والإحسان.
يا تواب تب علينا وارحمنا وانظر إلينا..
يا تواب تب علينا وسامحنا فيما جنينا..
يا تواب تب علينا واغفر لنا ولوالدينا..
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.. يا كريم..
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..

 
إطبع هذا الخبر