الموجــــــــــه العــــــــــــام
المجلـــــس الــتنسيقـــــــي
من رجال المدرسة الأبوية
ربـــــــــــــــاط عتـــــــــــــق
مدرســـــــــــة حـــــــــــراء
دار الــــــــــــــزهــــــــــراء
الثقــــــــــافة والإعــــــــلام
العيــــــــادة الصحيـــــــــــة
الــــدورات الصيفيــــــــــــة
معــــــــــالم يمنيـــــــــــــــة
 
ارشيـــف الأخبـــــار
أرشيف الفتـــــــاوى
أرشيف كلمة الشهر
أرشيف المقــــالات
 

ابحث في الموقع


 
الصفحة الرئيسية - المقالات -الآراء الفكرية والوسائل التربوية والدعوية التي انتهجتها مدرسة حضرموت وتأثير المراحل على هذه المدرسة
 
الآراء الفكرية والوسائل التربوية والدعوية التي انتهجتها مدرسة حضرموت وتأثير المراحل على هذه المدرسة
إطبع هذا الخبر أرسل هذا المقال الى صديقك


لم تزل اليمن السعيدة عبر تاريخها الطويل وهي تقدم للإنسانية بعمومها وللأمة الإسلامية والعربية نماذج البطولة في شتى الميادين واليمن صقع واسع ومترامي الأطراف ومنه وادي حضرموت وادي الأحقاف المشار إليه في كتاب الله تعالى : {وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذَا أَنْذَر قَومَهُ بَالأَحْقَاف}.
ووادي حضرموت كان ولازال محطة النظر ومركز التأثير والأثر، وفيه مجموعة من الخصائص تميزه عن كافة أصقاع اليمن، وكان لهذه الخصائص أثر كبير في اجتذاب العلماء والمصلحين ولهم فيها ما يناسبهم كما إنها اجتذبت الغزاة والفاتحين وأهل التجارة والسياسة وغيرهم، وموضوعنا هنا يتركز حول ((مدرسة محدودة)) نشأت في وادي حضرموت وتفرعت منه في سائر الأصقاع.
هذه المدرسة أطلق عليها مسمى ((مدرسة حضرموت)) لأن حضرموت كانت مهد بروزها وانتشارها. وقد مرت هذه المدرسة بتدرج زمني طويل حتى بلغت إلى مسمى المدرسة.. ولتقريب الفهم للقارئ نضع العناوين التالية:
1. مرحلة بروز الفكرة..
2. مرحلة البذر والأساس.
3. مرحلة الضبط وتحديد الهوية (الطريقة)
4. مرحلة الظهور والتأثير.
5. مرحلة الانتشار (المدرسة)

مرحلة نشوء الفكرة:

مما يجب العلم به في تسلسل سير مدرسة حضرموت أنها كانت مجرد فكرة تراود أحد الأئمة الأفذاذ خارج حضرموت بل خارج اليمن كلها، وكان اليمن في تلك المرحلة يعيش اضطراباً مثل غيره من بلاد الخلافة الإسلامية تبعاً للتقلبات المرحلية التي كانت سارية الأثر.
وهناك في أرض العراق وبالتحديد في مدينة البصرة كان الإمام أحمد بن عيسى المهاجر يشهد أخلاط الأمم بحكم الموقع التجاري للبصرة؛ و بسبب قربها من البلاد المختلفة الأجناس(1). واستطاع الإمام أحمد بن عيسى أن يقرأ واقع الأمة بعمومها حيث كان معاصروه من البصريين أعرف الناس بالأسفار والتجارة والسياسة فاختلطوا بالأمم وعرفوا أحوال العالم(2).
كما أن (آل علي) في تلك المرحلة كانوا لا يزاولون شؤون الدولة ومن سكت منهم على السلطة أغدقت عليهم الأرزاق والأعطيات(3) وبهذا استطاع ابن عيسى أن يعمل فكره وعقله في شأن هذا الصراع والنـزاع وما يترتب عليه من آثار سلبية تضر بالإسلام ومبادئه في الأمة, فالبصرة في هذه المرحلة تعج بالفرق والجماعات والتيارات المختلفة والمتخالفة, قال ابن شهاب في كتابه المهاجر صـ35 (وتجد في جهات المدينة جماعات يقصدون حلقات المناظرة فيصغون إلى مناقشات العلماء والأدباء والشعراء ويرون المعتزلي والشيعي يورد الحجج فيتصدى له الآخر. ففي البصرة مذاهب متعددة).. اهـ وجاء أيضاً في صفحة 36 (إن البصرة لعبت دوراً طلائعياً في غاية الأهمية، إذ إنها كانت مهداً لتيارات الفكر الإسلامي الأولى إذ إن المسجد الجامع فيها هو المركز الرئيسي للثقافة الدينية والفلسفية). اهـ
وقال أيضاً في صفحة (40) عاش المهاجر في جو ملىء بالتناقضات علوم وأدب وفلسفات بجانب حوادث دامية وخوف ورعب وتشرد.
هكذا عاش المهاجر وهكذا أنضجت الأحداث والتحولات مواقفه بدءاً من طفولته الى شبابه, فلقد نشأ في أسرة عرفت بالفضل والعلم والتقوى والنـزاهة وحماية الذمام تربى في بيئة صالحة وتلقى أول ما تلقى دروسه عن أبويه ((التعليم الأبوي)) ثم إلى أساتذة آخرين. ومن اللافت للنظر أنهم قد يأخذون عن أساتذة من مذاهب أخرى(4).. اهـ
وفي هذا إشارة إلى سعة المدارك وشمول الرؤية ووضوح الهدف، وعدم التأثر بمواقف الآخرين.
كان يحن في نفسه ما يشهد عن التناصر والعصبيات ذاك لأن التناحر والعصبية قد أذلها الإسلام وكانت تربية الآباء فوق التناحر والعصبية؛ بل كانت علاجاً لها ومبدّدة لآثارها ولكن صوت الباطل ونداءات القبلية والعنصرية قد وجد له في متناقضات الحياة الاجتماعية مكاناً فنخر البناء من الداخل.. وكان أول من اكتوى بناره (أبناء علي) فقد صعب عليهم المقام في مجتمع تسوده الفوضى وتحكمه العصبية.
كتب ابن شهاب صـ47 (رأى الإمام المهاجر تفرق الطالبين في البلدان ورأى سوء الحالة التي يعانيها الناس، وسير الدولة إلى الذوبان، وشاهد الفوضى، وعاصر الأحداث الدامية وتفاقم الأهواء، فلا أمن ولا استقرار والخطر مستحكم الحلقات فأيقن أن الرحيل أمر لا مفر منه.

لماذا الرحيل من البصرة؟
قال ابن شهاب صـ 47 عن حال البصرة، فقد اشتدت الحالة إلى حد لا يرضى به ذو أريحية. والحالة هذه كانت مزيجاً من الاضطراب السياسي عبر عنها ابن شهاب صـ 47 أيضاً ((لقد تركت فتنة الزنج آثاراً سيئة في الحياة وفي النفوس والعمران، وتركت ثورة القرامطة وهجومهم على البصرة عام 310هـ مالا يصبر عليه صابر. إذ دخلوا والمهاجر بين أسرته وسكان البصرة في قلق وارتباك والنساء في ارتعاش وهلع الأطفال يصرخون جزعاً والجثث تتساقط في الشوارع والنيران تلتهب في المنازل اهـ صـ 47.
استشار المهاجر أفراد أسرته وأقاربه على مغادرة العراق كلها تاركاً أمواله وبعض أولاده. إذن فالهجرة من البصرة كانت لهدف معين وإقرار أهله وأقاربه رحلته من بينهم ملمح واضح لتفرده في ما يراه..
ولم يكن قصده الاستقرار المادي ولا السياسي.. فالمال بين يديه والجاه والمظهر من سمات حياته اليومية. قال ابن شهاب صـ 44 (كان أحمد المهاجر على كرم محتده رفيع المكانة عالماً متمولاً، وكان والده عيسى نقيباً للإشراف اهـ.

ماذا يعتلج في نفس المهاجر ؟
يُستنبط من مواقف الإمام المهاجر واستقراء التركيب النفسي والعلمي والاجتماعي لحياته – أن هجرته من العراق كانت تحمل في طياتها أمراً عظيماً لا يقف عند مسألة الهروب من فتن العراق واضطرابه. بل هو أيضاً هارب من الواقع الصعب الذي لا يمكن أن يضع فيه بذرة فكره وأساس رؤيته. حتى ذكر ابن شهاب صـ44 حول مكانة المهاجر لا بن جرير الطبري مؤكداً تبرمه من الواقع الصعب.
قال الطبري كتب إليَّ أحمد بن عيسى العلوي من البلد (البصرة):
ألا إن إخوان الثقات قليل *** وهل لي إلى ذاك القليل سبيل
سل الناس تعرف غثهم من سمينهم *** فكل عليه شاهد ودليل

قال أبو جعفر فأجبته:
يسيء أميري الظن في جهد جاهد *** فهل لي بحسن الظن منك سبيل
تأمل أميري ماظننت وقلته *** فإن جميل الظن منك جميل

قال ابن شهاب معلقاً على هذه المعاتبة: يتذمر المهاجر من فقد لأعوان الثقات معاتباً فيعتذر إليه ابن جرير...... الخ صـ 44 / المهاجر.
وإنما أوردنا هذا الاستدلال كشاهد محتمل على ماكان يرجوه المهاجر في واقع الحال فلم يجد النصير ولا المؤازر فكان لابد من الرحيل.
لقد تعلم المهاجر من موقف جده الإمام علي العريضي (نسبة إلى العريض على أربعة أميال من المدينة المنورة)، وهو أي الإمام العريضي رغب عن الجاه والحكم والمنازعة فيه فاعتزل الناس ورحل إلى العريض وكان أصغر أولاد أبيه.
واعتقد أن هذه (المدرسة) قد بدأت تضع قواعدها الإيجابية منذ تلكم المرحلة كبداية وأساس.. الإمام العريضي يعتزل الناس في العريض ويأتي من بعده في سلسلة أبنائه من يتولى نقابة الأشراف حتى عيسى بن محمد والد الإمام المهاجر دون خروج على أحد.. أو نظر إلى مسألة الحكم والسلطان كمطلب وغاية.. ولا إلى الصراع والدخول في أطرافه كوسيلة وسبب.

المهاجر في مكة والمدينة:
علم من وقائع تاريخ هجرة المهاجر أن رحلته بدأت 317هـ على عهد المقتدر بالله (295-320هـ) ومعه جملة من بني عمومته وأصحابه وأتباعه ومنهم(5):
1) جد بني قديم وجد المهادلة..
2) جعفر بن عبدالله الأزدي جد المشايخ آل مخدم.
3) مختار بن عبدالله بن سعد جد المشايخ آل مختار.
4) شويه بن فرج الأصبهاني.
ومن هولاء وأبنائه وأسرته تكونت أُسس مدرسة المهاجر بحضرموت بادئ ذي بدء.
وقد نزل بهم أول ما نزل بالمدينة المنورة وأقام بها عاماً وفى هذا العام دخل القرامطة إلى مكة في 17 ذي الحجة 317هـ وانتزعوا الحجر الأسود وذهبوا به وبقى موضعه خالياً نحو اثنين وعشرين سنة اهـ، وحج الإمام المهاجر مع الركب المصاحب له عام 318هـ، قال ابن شهاب نقلاً عن مروج الذهب ج4صـ408 (توجه الإمام المهاجر إلى مكة تتبعه أسرته وحاشيته، فحج واكتفى بمسح مكان الحجر الأسود وحج بالناس ذلك العام عمر بن الحسن بن عبدالعزيز الهاشمي) اهـ. المهاجر صـ 49.
لمحة عن الأوضاع المتناقضه في الفكر إبان هذه المرحلة:
كانت العواصم الإسلامية تشهد في هذه المرحلة مزيجاً من الصراع الفكري المنبثق عن اجتهاد الفرق والمذاهب والجماعات, وكانت الأوضاع السياسية المتضاربة تغذي هذا الصراع وتهيء له الأجواء المناسبة سلباً وإيجاباً.
ونستعرض هنا ما شاهده ورآه الإمام المهاجر من هذه المتناقضات:
1- الصراع بين أهل السنة والشيعة وصراع المعتزلة مع الجميع.
2- موقف السلطة من الطالبيين وتفرقهم في البلدان.
3- فتنة الزنج ودورها الخطير في ابتعاث الخوف والقلق والدمار.
4- فتنة القرامطة كرؤية متطرفه ودورها في إثارة الفوضى الاجتماعية.
5- فتنة الخوارج وامتدادها في بعض الأمصار ثم تقلصها في نواحي حضرموت وعُمان.
كل هذه الفتن المتلاحقة التي جعلت إمامنا المهاجر يبحث عن مستقر جديد خلافاً لكثير من أشباهه وأمثاله الذين هاجروا من البصرة وغيرها طلباً للأمن والاستقرار المعيشي فقط...

حضرموت... الأمل المنتظر :
أشار المؤرخون إلى أسباب الهجرة الملحة للطالبيين من العراق وتفرقهم في كثير من البلاد، قال ابن شهاب تحت عنوان: لماذا قصد حضرموت؟
هاجر السيد أحمد بن عيسى كما هاجر الكثير من بني أعمامه وشيعتهم ناجين بأنفسهم أو كانوا مجاهدين، ولكن لماذا اختار الهجرة إلى حضرموت لو كانت الثروة غايته فليست حضرموت ببلد ثروة وهو كان ثرياً,لم يذهب إلى خراسان الزاهية الخضراء.
ولم يقم باليمن كما أقام بنو أعمامه ولم يرحل إلى مصر حيث قلوب أهلها مع أهل البيت منذ أول الإسلام ولم يذهب إلى السند وبها كثير من آل أبي طالب وشيعتهم ساق القافلة إلى حضرموت؟
وهنا مربط الفرس، فهذه مسألة تؤيد ما ذهبنا إليه, وذهب إليه كثير من المؤرخين عن رغبة الإمام في بناء مدرسته متفردة تتجاوز التناقضات جميعاً وترتقي بالأتباع إلى مبدأ القواسم المشتركة.. فهو لم ينتقل من عاصمة البصرة وحاضرة الدولة الإسلامية لينقل وباء الفتنة المشتعلة بين فريق ضد آخر أو لينصر مجموعة بمذهبها ضد أخرى تبعاً للأهواء والرغبات والعصبيات. فهذه الفتنة قد كفلته عناء الخروج من موطنه, قال ابن شهاب في كتابه ( المهاجر ) صـ 56 (لقد اخترق الإمام المهاجر بذكائه الثاقب حجب المستقبل واستشق الستار بنور بصيرته النافذة من بداوات عاشها, ومن اضطرابات وقلاقل
وثورات القرامطة والحنابلة...).
إذ صار القرن الرابع من أسوأ عصور الإسلام سياسياً واجتماعياً, حدثت فيه انقسامات عقيدية في الأمة سنة وشيعة وخوارج ومعتزلة وغيرها.

أسلوب الإمام المهاجر في مرحلة التأسيس للمدرسة:

لا شك أن الثوابت القرآنية والحديثية والفهم المطلق لرجل من آل البيت النبوي كالمهاجر والتجربة الغنية بالمواقف أعطت الإمام المهاجر الضوء الأخضر كي يمارس رغبته الإيمانية ورؤيته المرجوة في محيط حضرموت, ولكن بمزيد من التروي والتعقل وحسن التلطف.
جاء في سفينة البضائع(6): (دخل المهاجر إلى حضرموت من ناحية اليمن فاستعمل الرفق في دعوته وسلك طريق اللين والاقناع وبذل الأموال فجاء إليه كثير من الخوارج وتابوا على يديه بعد أن قاوموه وحاولوا تشتيت شمله وخفض مناره.. ).
إذن فالمهاجر قد نحى في نشر الدعوة على ثوابت معينة:
1- الرفق واللين والاقناع.
2- بذل الأموال.
3- الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي
وقد ذكرت بعض مصادر التاريخ أن بعض الفئات وقفت في وجهه وقاومته بينما انضمت إليه قبائل وفئات أخرى فانتصر بهم على معارضيه.. وأيّاً كانت صحة هذه الأخبار فإن الحرب والقوة لم تكن وسيلته الأساسية لنشر دعوته المباركة.. وإنما أجبر على استخدام القوة لإعادة نصاب الأمر وينفي المؤرخ السيد محمد بن أحمد الشاطري حمل المهاجر للسلاح ضد أي جماعة من معارضيه, ويؤيد ما أشير إليه من استخدام الحكمة والموعظة الحسنة.
وأشار ابن شهاب إلى الدور الجديد الذي دخلته حضرموت بدخول الإمام المهاجر وما تلاه من دور العلم والمدنية, فقال في صـ56: (فقد انتشر العمران بعد ذلك, فبنى أحفاد المهاجر قرى مثل بيت جبير, وحيجر, وقسم,و خباية والحوطة والحاوي وغيرها وتوسعت المزارع في عدة نواحي).

الإمامة عند المهاجر – وأتباع مدرسته:

أخذت مسألة المذهب – محوراً جدلياً – لدى الكثير من المؤرخين ونزع البعض منهم إلى تأييد ما يراه مناسباً لتوجهه في هذه المسألة.
والإمام المهاجر كما سبق ذكره – جاء إلى حضرموت يحمل في طيات قلبه وعقله مدلولاً شاملاً واسعاً يفوق صراع المذهبيين ويتجاوزه.
فالمسألة ليست مسألة.. مع من سيكون المهاجر؟؟ أهو مع السنة ليتعصب أهل السنة له.. أم هو مع الشيعة ليتعصب الشيعة معه(7)..
فالتعصب المقيت هو الذي أخرج المهاجر من عاصمة الحضارة ومهد العلوم ومنتديات المعرفة. وجعله يتجاوز المدائن ويخترق الأودية والمفاوز ليصل إلى حضرموت.
وهذا أمر هام جداً في دراستنا عن مدرسة المهاجر فالإمامة وهي لدى ( مدرسة حضرموت ) مرتبة يبلغ إليها أكابر آل البيت النبوي.. وليست مذهباً بعينه.
فقد يكون الإمام من أهل البيت شافعياً أو حنفياً أو حنبلياً أو مالكياً أو إمامياً أو غير ذلك.. وليس شرطاً أن ينحصر آل البيت في مذهب الإمامة وحده. بل في هذا الحصر غمط لمنهج النبوة الواسع وتضييق لأفق دعوة الكتاب والسنة حيث أن الأخذ الأشمل والمورد الأكمل إنما هو اتباعه صلى الله عليه وآله وسلم والأخذ عن أئمة الهدى الذين اتصلت أسانيدهم به عليه الصلاة والسلام.
وقد ثبت عن جملة من أحفاد المهاجر بلوغهم إلى مرتبة الإمامة وهي مرتبة الاجتهاد وتحدثهم عنها..
فالشيخ عبدالرحمن السقاف كما ذكر الجوهر الشفاف أنه سئل عن مذهبه, فقال : (( أنا جنداري من جنادرة السلطان)) ويفهم من هذا أنه لم يحصر نفسه في مذهب بعينه.. لأنه بلغ رتبة الإمامة.
وحكى عن الحبيب أحمد بن حسن العطاس قوله ((إن مرتبة الإمامة مقام لأهل البيت لا يزال ينتقل فيهم واحدأً بعد واحد حتى يأتي المهدي)).. اهـ.
ولما سئل الإمام الحداد رضي الله عنه بمكة عام حجه عن مذهبه أشار إلى الاجتهاد.. اهـ
ويؤيد ما أشرنا إليه من أن آل البيت يرتقون مرتبة الإمامة.. لا المذهب الإمامي. ما ذكره السيد صالح بن علي الحامد من رأي العلامة السيد علوي بن طاهر الحداد, فقال: : ( وقد نفى السيد العلامة علوي بن طاهر الحداد أن يكون السادة العلويون ومن قبلهم إماميين مذهباً. مستدلاً بمخالفتهم للإمامية في أمور: راجع عقود الألماس – المهاجر صـ 78.
وقد رجح بعض الباحثين والمؤرخين سنية الإمام المهاجر وأنه اعتنق المذهب الشافعي وإلى هذا أشارت الكتب التالية: الجوهر الشفاف للخطيب, وقلادة النحر لبامخرمة, والتحفة النورانية لباوزير, والمشرع الروي للشلي, وصفحات من التاريخ لباوزير.
ويلمح المؤرخ العلامة السيد محمد أحمد الشاطري إلى مسألة التفرد وبمدلول الإمامة على نمط الترجيح للمذهب, فقال: (إن المهاجر وإن كان يعتنق المذهب الشافعي لا يقلد الشافعي تقليداً أعمى فهو أجل من ذلك, وكيف وإمامه الكتاب والسنة اللذان عليهما أساس مذهب الشافعي, وكذلك عقائده الإسلامية هي عقائد آبائه وأجداده كالباقر وزين العابدين).
إذن فالراجح أن الإمام المهاجر قد جاء إلى حضرموت يحمل تفردات عدّة حيرت المؤرخين وشغلت الباحثين, ويحاول كل ذي نهج أن يتفهم علاقة المهاجر بمنهجه ولكن القول الفصل في مسألة المذهب هي قراءة الواقع ذاته بعيداً عن التكهنات والتخرصات.

ثوابت مدرسة الإمام المهاجر على خريطة الواقع:

حسماً للخلاف وسدّاً للثغرات الجانبية التي يختل منها ومن خلالها بعض المتقولين نرى ضرورة الجزم والقطع في مشروع الإمام المهاجر بحضرموت وتحديد هوية مدرسته المباركة ذات الانطلاقة العالمية, حيث إن لإمامنا في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: إن الإمام المهاجر جاء بمذهب معين ولم يتح له المجال لطرحه فرجح مذهب أهل السنة.
الثاني: إن الإمام جاء مجتهداً ودعا الجميع إلى التعاون ووطد مدرسة الإمام الشافعي باعتبارها ذات ارتباط بآل البيت.
الثالث: الإمام المهاجر منذ وجوده بالعراق وهو لا يمثل في الصراع الدائر بين أهل المذاهب والفرق جانباً على جانب بل كان على مذهب آبائه وأسلافه القائم على كتاب الله وسنة رسوله وليس مذهبياً.. وكان خروجه من العراق يهدف إلى بناء دعوة جامعة شاملة تتسامى عن الصراع والنـزاع من جهة وتتجنب الأخذ بمبدأ السلطة والحكم من جهة أخرى.
وهذا هو الرأي الراجح والحاسم لأطماع الطامعين ويترجح هذا القول لثوابت عدة:
1- إن الإمام المهاجر لم يؤيد في حضرموت مذهباً يشاع أنه من مذهبه بل تجاوز ذلك إلى ما أعلى منه والمذهب الأعلى هو مذهبه الصحيح مذهب جده صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
2- إن كافة ما كتب في هذه المسالة سلباً وإيجاباً لم ينظر أهله في مسألة ((أهداف الإمام المهاجر وحكمة أفعاله)) وما قرره وقام به.. بل جنحوا إلى الوهم والظن وترجيح الاعتقاد وملاحقة قواعد الاستقراء(8).. مع أن الواقع عكس ذلك كله.
لقد عاش الإمام المهاجر منذ كان في العراق متفرداً في وجهته ورؤيته. ولهذا اضطر إلى الرحيل من البصرة إلى الحجاز ثم اليمن والاستقرار بحضرموت.
وحتى الهدف الذي تناوله البعض من المؤرخين أنه عزم الرحلة إلى اليمن لمحاربة الخوارج.. فهو خبر لا يستقيم على برهان فالمدافع عن المبادئ والمقارع للخصوم يجب أن تجتمع له شروط عدة, وحضرموت لاعلاقة للمهاجر بها إذا كان الخوارج هم خصومه أو خصوم الأمة كلها.. ولكن المهاجر عرف واستقرأ حال حضرموت من حيثيات أخرى وخاصة الظرف والمناخ المناسب لغرس مبادئه وأفكاره بعيداً عن العواصم وتشابك المصالح.. ولهذا احتمل المشقات وتجاوز المفاوز حتى بلغ إليها.
لقد نجح المهاجر وأحفاده في ترسيخ مدرسة حضرموت بعدة وسائل ووسائط يأتي في مقدمتها:
1. كونها دعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة لا تطمع في سلطان ولا جاه ولا تجعل من العنف والبحث عن موقع القرار طريقاً للمعالجة.
2. كونها تجمع في اسمها بين نشر العلم الفرضي الواجب والبناء الروحي والفكري والاقتصادي.
3. توجه المميزات الموهوبة لخدمة الأمة لا للمناصب أو التعالي والتباهي على الآخرين.
4. كونها تلتزم الورع في الأخذ بالدنيا وتجاوز الشبهات.
وقد جاء أبناء المهاجر وأحفاده لترسيخ هذه المبادئ في واقع الأمة.. وأثمرت هذه المدرسة ومرت بمراحل متعددة.
المرحلة الأولى: مرحلة التأسيس ووضع القواعد.
وهي منذ دخول الإمام المهاجر إلى حضرموت حتى ظهور الإمام عبيد الله بن أحمد وعودته من الحجاز وتبوؤه مقام والده في الوادي
المرحلة الثانية: مرحلة الإثراء والانتشار: وهي مرحلة عبيد الله وأولاده: بصري وعلوي وجديد, وكانت مفعمة بالحروب والفتن والغزوات المتتالية.
المرحلة الثالثة: مرحلة التحول إلى التصوف, وهي مرحلة الإمام الفقية المقدم ومن تلاه إلى نهاية عهد الإمام الحداد, وقسمت المرحلة الثالثة بثوابت إضافية مضاف إلى ما وضعه الإمام المهاجر ومنها:
1- كسر السيف, والتعايش السلمي مع كافة القوى.
2- إتخاذ طريق التصوف بصورة متفردة, أساسها العلم والعمل والإخلاص والخوف من الله.
وقد ألف العلماء المؤرخون وأهل التراجم والسير الكثير من المصنفات الحاوية على ضوابط طريق هذه المدرسة, من هذه الكتب ما حقق وطبع ومنها ما لا زال مخطوطاً, الجوهر الشفاف / الغرر / المشرع / شرح العينية / البرقة/افيض الأسرار / العقد النبوي /النور السافر/تاريخ بامخرمة.

-----------
هوامش:
1. المهاجر / ضياء شهاب صـ33.
2. المهاجر صـ34.
3. المهاجر صـ35.
4. كما يأخذ عنهم أرباب المذاهب اهـ صـ41.
5. الإمام المهاجر صـ49.
6. للحبيب علي بن حسن العطاس راجع المهاجر صـ 57.
7. الذي شهده المهاجر في حاضرة العراق.
8. والاستصحاب.

الكاتب: المفكر والداعية الإسلامي العلامة أبي بكر المشهور

 
 

جميع الحقوق محفوظة لدى موقع رباط عتق 1425 - 1429 هـ