الموجــــــــــه العــــــــــــام
المجلـــــس الــتنسيقـــــــي
من رجال المدرسة الأبوية
ربـــــــــــــــاط عتـــــــــــــق
مدرســـــــــــة حـــــــــــراء
دار الــــــــــــــزهــــــــــراء
الثقــــــــــافة والإعــــــــلام
العيــــــــادة الصحيـــــــــــة
الــــدورات الصيفيــــــــــــة
معــــــــــالم يمنيـــــــــــــــة
 
ارشيـــف الأخبـــــار
أرشيف الفتـــــــاوى
أرشيف كلمة الشهر
أرشيف المقــــالات
 

ابحث في الموقع


 
الصفحة الرئيسية - المقالات -(فقه التحولات وموقعه في قلوب وعقول الناس)
 
(فقه التحولات وموقعه في قلوب وعقول الناس)
إطبع هذا الخبر أرسل هذا المقال الى صديقك


(فقه التحولات وموقعه في قلوب وعقول الناس) بعد دراسة واعية ومتأنية للواقع المعاصر بعمومه، والواقع الإسلامي والعربي والمحلي بخصوصه، وبعد التغلغل الميداني والاحتكاك الإيجابي بكافة نماذج الشخوص الحاملة صفة الرسمية أولاً ثم صفة الشعبية تأكد بيقين أن الحالة الراهنة لاتتجاوز كونها تراكماً ثقافياً وتعليمياً واجتماعياً متناقضاً، وثمرة من ثمرات العمل السياسي المبطن الذي غير الأمة بعمومها في مرحلتها الغثائية، وسلبها في غفلة من الوقت والزمن قدراتها الشرعية المتكاملة ما عدا القليل القليل من العلم الفقهي المذهبي، والذوق الصوفي المشربي الذي تشتت وتحوصل في دوائر تعليمية ووظيفية ضيقة جداً لا تسمح له ولا لحملة ثوابته من الحركة الاجتماعية الفاعلة ولا حتى من بثه في الواقع التعليمي والثقافي بما يساعد مجموعات الأجيال المتلاحقة على سلامة الانتماء للمذهب والرؤية، هذا فيما يتعلق بالديانة ومخرجاتها الشرعية، وأما ما يتعلق بما دون ذلك من شؤون الحياة السياسية والاجتماعية والتعليمية والتربوية والثقافية والإعلامية والاقتصادية وهلم جراً... فالسفينة المعاصرة قد أغربت بالشعوب والأجيال عن شرف العلاقة السليمة بالإسلام وثوابته إلى الاستتباع المطلق بعالم الحضارة الغربية ومخرجاتها الحديثة، وتخرّج على هذا المبدأ مئات وآلاف الرجال والنساء، وعليه أيضاً ومن خلاله يفسرون الحاضر والماضي والمستقبل، ولم يعد لهم من خيار غير ذلك ولا بديل عنه ولا محيص، فالجميع في هذا الحشد المتناقض مجبرون على السير في الاتجاه الإجباري نحو جحر الضب، بل أن المحاولة الجادة لتقييم ذلك أو معالجته تعد ضرباً من الخيال وسبباً من أسباب الوقوع في مقت الساسة والعلماء والمفكرين والمثقفين الذين تشرئب أعناقهم سخرية واستهزاء بالمتطفلين والمتكلفين المحاولات الانتحارية لتقييم الحاضر أو إدانته، لأن الحاضر من وجهة نظرهم هو الإسلام الذي فقهوه وتفقهوا فيه، أو أن الإسلام وإن كان يعيش في الواقع أزمة فهم يرون مواقفهم تمثل صفوة المعالجة وفقه الحالة، وعين المصابرة على سوء أحوال الحياة المتناقضة.
ولهذا فإن (فقه التحولات) سيحدث نقلة جديدة لأجيالنا القادمة بشرطين:
1- التركيز على الجيل الجديد الواعي ممن لا زال يحمل استعداداً فطرياً للمعرفة والثقافة والتربية والتعليم.
2- أن يسهم المتخصصون المخلصون من علماء التربية والاقتصاد والاجتماع والتعليم والإعلام وعلم النفس والتاريخ على وضع الدراسة الواعية للربط بين ثوابت هذا العلم وموقع التخصص في إثرائه وتوسيع مدى المعرفة فيه كل فيما يحسنه من تخصصه ذاك لأن مثل هذا العلم لا زال في باكورة التناول والتحليل والتعليل ولا زالت غوامضه ومادة فقهه أصولاً وفروعاً مبثوثة في الكتاب والسنة وبعض المؤلفات الجامعة لمادته دون تفصيل علمي وترتيب زمني رقمي، وقد لا نفي نحن بكل هذا المطلوب باعتبار أن لكل فن رجاله.
إن معركتنا مع الشيطان معركة أزلية طويلة المدى، ولن تقف هذه المعركة أبداً ما دام العدو غير المنظور يهندس الهزائم فينا ويستثمرها لنفسه ومبدئه الكافر ويرسخ في الأجيال سُنَّة كُفْرِهِ ومَسْخِه، وما دام العدو المختفي القابع خلف الكواليس ينظم العالم لمستقبل دولته الإلكترونية – إنه الدجال – فكلا العدوين غير المنظور والمختفي يعملان في جبهة مشتركة ضد الإنسانية البشرية بعمومها، وضد الأمة الإسلامية بخصوصها، ولا مجال لمعرفة تفصيلات هذه المعركة ومخرجاتها ونتائجها إلا بدراسة علامات الساعة كفقه خاص بالتحولات والعلامات والأشراط أو بمعنى أدق كفقه خاص يكشف مؤامرة العدوين وحلفائهما في الحياة الإنسانية والإسلامية، لأن علامات الساعة دراسة واعية للسلبيات والأركان الثلاثة الأخرى (الإسلام، الإيمان، والإحسان) دراسة متكاملة للإيجابيات، وقد أشارت النصوص كلها أن العدو الأول متربص بالإنسان منذ أن خَلَقَهُ الله جل جلاله، وأن خروج الإنسان إلى الأرض كان لاختباره وابتلائه في معركة الأزل بين الخير المشروع والشر الممنوع.
والخير المشروع هو ما جاء به الأنبياء عليهم السلام، وخاتمهم نبي الملاحم صلى الله وسلم عليه وعلى آله، والشر الممنوع هو ما يتبناه الشيطان ويخطط له الدجال وينفذه الدجاجلة في العالم بعمومه.
وقد غاب عن علمنا الموثق مسألة الدراسة الواعية للركن الرابع من أركان الدين، أي بمعنى أوسع: قد تركنا الحبل على غاربه للثلاثي العدو (الشيطان، الدجال، والكفر) كي يسرح ويمرح في هذا العالم ليحتنك الأجيال ويغير الأحوال ويفسد الأعمال والأقوال، حتى بلغ به – أي العدو – من الوعي أن وظف العديد من حملة الثلاثة الأركان لخدمة مشروعه الشيطاني في عالم الإنسان، ولم يعترض أحد من حملة هذه الأركان على هذا التحالف الشيطاني لغياب فقه التحولات وعدم دراسة علامات الساعة من أذهانهم تماماً.
وأعتقد أن الوقت قد حان لإعادة تفتيش أوراقنا المتراكمة للننظر في تراثنا الإسلامي بعد أن حولناه إلى مسمى التراث، وهو هويتنا وعقيدتنا وأساس سلامتنا في الدنيا والآخرة، ولربما بذلك تبدى لنا بوضوح حجم المؤامرة التي نديرها بأنفسنا مع أعدائنا ضد ديننا وعلاقتنا بربنا وبنبينا وبالأمة الإسلامية، ونحن مع هذا التآمر المشترك نعتقد أننا ننقذ الإسلام ونجدد معانيه ومضامينه بين الأنام.
إن كافة نماذج الحركة القائمة في عالمنا الإسلامي لخدمة الإسلام تدور في فلك الفهوم للأركان الثلاثة، بل أعتقد أنها لا تشمل الحقيقة في دراستها بعد أن سيسها الأعداء الألداء وسيسوا مخرجاتها الفكرية، بل وحذفوا من مناهج المسلمين حقيقة الدراسة للركن الثالث (الإحسان) وما يترتب عليه، وبقي أفراد من فقهاء المسلمين يحومون حول مخرجات علم الأصول.. إما لتأكيد ما قد سبق تأكيده، أو لاستخراج الأدلة في التكفير والتشريك أو الرد عليهم والتبديع واللعن لبعضهم البعض، أو لمحاكمة التاريخ الإسلامي وما دار فيه من سلبيات، أو لاستخلاص الحيل والأساليب المساعدة على إنجاح معاملات الشبه والحرام أو السكوت عنها، أو في أضعف الأحوال: أخذ النصيب المقرر من عائداته باعتبار أن «الضرورات تبيح المحضورات» دون الحاجة للتفتيش والسؤال، وقد ترقى بهذه المبادئ عشرات العلماء والفقهاء الأصوليين في مراتب الفتوى ومواقع التأثير الاجتماعي والديني في واقعنا الغثائي المعاصر، وها هم يناقشون مع عصبة الحركة العالمية قضايا تقارب الأديان وحوار الحضارات وتهيئة الشعوب المغلوبة لبنود السلام المصنع والمقنع مع دجاجلة التاريخ، ولا زالت الأيام حبلى بما في بطنها من عجائب التحولات.
أليست هذه حقائق؟ نعم، إنها حقائق ناصعة، ولا بد لجيل الأمة الإسلامية في كل مكان أن يتحرر عن هذا النقض المسيس والقبض المدنس، ولكن ليس بالإثارة والفوضى والتمرد والعنف، وإنما بالدراسة والغوص الواعي في نصوص الإسلام (كتاباً وسُنَّةً وأخلاقاً).
فالإثارة والفوضى والتمرد والعنف ثغرات خطيرة ينفذ منها الشيطان ووكلاؤه للصيد في الماء العَكِر، ونحن أمة السلام، والسلام عندنا ديانة وليس سياسة، وهو اسم من أسماء الله أنزله إلى الأرض لإقامة مشاريع السلام، ولكن العدو غير المنظور حوَّل السلام إلى مشروع خيانة وإلى تسيس في السياسة، وانجذب إلى مشروعه الأنوي أول إنسان معقد وأول إرهابي فاشل وأول مخلوق إنساني أراد معالجة المطالب بالقتل والدماء إنه قابيل، وهكذا بدأ المشروع الشيطاني الهالك في بني الإنسان.
إن مسألة الجهاد في الإسلام ليست حرباً للحرب، وإنما هي حرب ضد الحرب، وشروط إقامتها في الشعوب إدراك الشعوب في جهادها أنها محررة عن التسييس الدجّالي، ومنطلقة من فحوى القرار الإسلامي الصرف، ومع هذا وذاك فقد ضمن الله بقاء الجهاد إلى يوم القيامة، وحيثما كان الجهاد الإسلامي قائم بشروطه فنحن منه وإليه، وأما جهاد الفئات المتصارعة والقوى المتنازعة ودعوات الهتك والرعب والعنف المدمر للمسلمين قبل غيرهم فلا يخرج عن دائرة الدجل والدجال والدجاجلة، بل هو الهرج الذي حرّك رسول الله صلى الله وسلم عليه وعلى آله يده ليصور أثره في الناس.
إنَّ أجيال الأمة الإسلامية أمام مسئولية عظمى تبدأ بإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وحفظ ما يمكن حفظه، ولن يتحقق هذا المبدأ في خضم التيارات والأعاصير المدمرة إلا بالرحلة إلى الداخل، والرحلة إلى الداخل تبدأ بإعادة دراستنا الواعية لنصوص القرآن الكريم وأحاديث مَنْ لا ينطق عن الهوى صلى الله وسلم عليه وعلى آله فيما يخص التحولات والعلامات والإمارات والأشراط والبشارات والملاحم والفتن والفتن المضلة، وكل هذا الحشد من المواضيع جزء من الديانة، والديانة أمانة، و«أول ما يُرْفَعُ مِنْ هذه الأمَّة: الأمانة، وآخر ما يبقى لهم: الصلاة، ورُبَّ مُصَلٍّ لا أمانةَ لَهُ» صدق رسول الله صلى الله وسلم عليه وعلى آله.
والحقيقة المُرَّة - ومرارتها في العلماء والوجهاء وحملة القرار أشد من مرارتها في عوام الناس ومثقفيهم – أنَّ دراسة علامات الساعة ستسقط في دوامة الصراع والخلاف والاختلاف كما أسقطت الأركان الثلاثة من قبل، وسيتناول هذا الفقه من عباقرة المجموعات والفرق والدجاجلة والوكلاء والعملاء من يضعه في الصفوف الأولى لإنجاح معركة الشيطان والدجّال في الإنسانية، إما بالإصرار على عَزْلِهِ التام عن موقعه من رباعية الأركان، وإما بتوظيفه السلبي للإثارة والعنف والتناقض وزيادة الخلاف والاختلاف بين الأنام.
إنَّ إعادة الاعتبار للركن الرابع وإعادة دراسته يجب أن يؤخذ من مصدره ومن حيث برز ليظل حاملاً هوية المنشأ وسلامة التحليل ويظل الراغب في دراسته متابعاً منابع هذا الركن وما يتفرع عنه دون انشغال بمداخلات الأنداد ومعارضات الأضداد، وخاصة أن المرحلة مرحلة منافسة، والكثير من حملة صِفَة العِلْم يميلون إلى دخول سوق العرض والطلب بما يدخل به الغير من أشباههم وأمثالهم ليكسبوا الأرباح، فيختلط في أسواق المزاد ما هو أصلي المنشأ والصياغة، وما هو للاستهلاك والتجارة، وتذهب الحقيقة هباءً منثوراً، وإلى فرصة أخرى للإكمال والإحاطة...
وأسأل الله التوفيق والسلامة لنا وللقراء وللأمة جميعاً بمنِّه وفَضْلِهِ وكَرَمِهِ وجُودِهِ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الكاتب: المفكر والداعية الإسلامي أبوبكر العدني بن علي المشهور

 
 

جميع الحقوق محفوظة لدى موقع رباط عتق 1425 - 1429 هـ